AI يغيّر حياتك اليومية
لفترةٍ طويلة، كنت أعتقد أن الذكاء الاصطناعي (AI) مجرد فكرة جذابة من الخارج، شيء مبهر بصريًا، مليء بالفيديوهات المذهلة والصور المولَّدة والمؤثرات اللافتة، لكنه في الواقع لا يضيف قيمة حقيقية لحياة الإنسان العادي.
كنت أراه أقرب إلى “موضة تقنية” أو أداة استعراضية أكثر من كونه وسيلة عملية لتحسين جودة الحياة.
نعم، الذكاء الاصطناعي مذهل، لكن في تصوري القديم، فائدته كانت محصورة في فئة معينة:
المبرمجين، المطورين، أو صناع المحتوى التقني.
أما المستخدم العادي، الذي يريد تحسين صحته، تنظيم وقته، تقليل التشتت، أو الالتزام بعادة جيدة… فلم أكن أرى أن الذكاء الاصطناعي يخدمه بشكل مباشر.
لكن هذه النظرة تغيّرت بالكامل.
شرارة التغيير: فكرة بسيطة لكنها عميقة
في أحد الأيام، شاهدت فيديو يتحدث فيه أحد صانعي المحتوى التقني عن استخدام الذكاء الاصطناعي في متابعة النظام الغذائي.
الفكرة كانت في غاية البساطة:
-
تصوير الوجبة
-
إرسال الصورة إلى الذكاء الاصطناعي
-
الحصول على تحليل للسعرات الحرارية والماكروز
-
معرفة ما إذا كانت الوجبة مناسبة للأهداف الصحية أم لا
لكن ما شدّني لم يكن موضوع التغذية بحد ذاته،
بل فكرة المتابعة والمحاسبة (Accountability).
لماذا المتابعة تغيّر كل شيء؟
الإنسان بطبيعته، إذا لم يكن هناك ما يراقب سلوكه أو يسجّله، يميل إلى التراخي.
نعود بسهولة إلى عاداتنا القديمة، حتى لو كنا نعرف أنها غير جيدة.
لكن مجرد وجود نظام:
-
يسجّل ما نفعله
-
يعكس لنا سلوكنا
-
ويضعه أمام أعيننا
هذا وحده كفيل بإحداث تغيير حقيقي.
المشكلة الحقيقية: الاستمرارية
رغم إعجابي بالفكرة، واجهتني مشكلة واضحة:
الاستمرار.
فكرة أن:
-
أصوّر كل وجبة
-
أكتب شرحًا
-
أتحدث مع الذكاء الاصطناعي
-
أراجع الردود
بدت لي مرهقة على المدى الطويل.
ومن التجربة، أي عادة تتطلب مجهودًا يوميًا كبيرًا، غالبًا لا تستمر.
وهنا كان السؤال الأهم:
كيف نجعل العادة سهلة لدرجة يصعب معها التوقف؟
الاكتشاف الفارق: الأتمتة (Automation)
في تلك الفترة، بدأت ألاحظ تكرار الحديث عن أدوات الأتمتة، وتحديدًا منصة n8n.
وهي أداة تشبه منصات معروفة مثل Zapier و Make، لكنها تتميز بعدة نقاط:
-
مرونة عالية جدًا
-
تكلفة أقل
-
إمكانية الاستضافة على خادم خاص
-
حرية كبيرة في ربط أي خدمة بأي نموذج ذكاء اصطناعي
وهنا ظهرت الفكرة المحورية:
دمج الذكاء الاصطناعي مع الأتمتة، بدل استخدامه بشكل يدوي.
النظام المثالي: صورة واحدة والباقي يحدث تلقائيًا
بدأت في تصميم نظام بسيط من حيث الاستخدام، قوي من حيث النتيجة:
ما الذي أفعله أنا؟
-
فقط ألتقط صورة للطعام
-
أرسلها عبر Telegram
ماذا يحدث في الخلفية؟
-
الأتمتة تستقبل الصورة
-
ترسلها إلى الذكاء الاصطناعي
-
يتم تحليل الوجبة
-
استخراج السعرات الحرارية
-
حساب الماكروز (بروتين – كربوهيدرات – دهون)
-
تنظيم البيانات بصيغة واضحة
-
حفظها تلقائيًا في قاعدة بيانات (Notion)
-
إرسال رسالة تأكيد بنجاح العملية
كل ذلك دون أي تدخل إضافي مني.
الذكاء الاصطناعي كمساعد حقيقي وليس أداة استعراض
أنا لست مبرمجًا محترفًا في JSON أو تكاملات الـ APIs.
لكن الذكاء الاصطناعي لعب دور “الشريك التقني”:
-
أي خطأ يظهر → Screenshot
-
إرسال الخطأ → تحليل فوري
-
اقتراح حل عملي
-
أحيانًا كود جاهز للنسخ واللصق
بهذه الطريقة، تمكنت من بناء نظام متكامل دون أن أكون خبيرًا في كل جزئية تقنية.
النتيجة الأهم: تقليل المجهود = زيادة الالتزام
أهم درس خرجت به من التجربة هو:
كلما قلّ المجهود المطلوب، زادت فرص الالتزام.
لم أعد أفكر في التدوين أو الحساب أو التسجيل.
كل ما أفعله هو التقاط صورة.
ومع الوقت:
-
التزمت بالنظام
-
تراكمت البيانات
-
أصبحت أرى أنماطًا واضحة في أكلي
وهذا وحده دفعني تلقائيًا لتحسين اختياراتي.
لماذا فشل المحتوى “المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي”؟
في فترة ما، انتشرت قنوات تعمل بالكامل بالذكاء الاصطناعي:
سكريبت → فيديو → نشر → أرباح.
لكن المشكلة كانت واضحة:
إذا كان الشيء متاحًا للجميع، فلا قيمة تنافسية له.
ومع الوقت، بدأت المنصات في تقييد هذا النوع من المحتوى، لأنه بلا روح وبلا تجربة إنسانية حقيقية.
نضج علاقتنا بالتقنية
كل تقنية جديدة تمر بنفس المراحل:
-
الخوف
-
المبالغة
-
الفهم
-
الاندماج
حدث هذا مع:
-
الأشعة السينية
-
الآلة الكاتبة
-
الآلة الحاسبة
-
الكمبيوتر
ولا واحدة منها ألغت الإنسان، بل عززت قدراته.
والذكاء الاصطناعي يسير في نفس الطريق.
الذكاء الاصطناعي الحقيقي: مخصص على مقاسك
المستقبل ليس في أن يعمل الذكاء الاصطناعي مكانك،
بل في أن يساعدك على:
-
حل مشاكلك الخاصة
-
بناء أدوات تناسب حياتك
-
تقليل التشتت
-
تحسين جودة يومك خطوة بخطوة
وعند دمجه مع الأتمتة، تصبح الإمكانيات شبه لا نهائية.
مثال آخر: استخدام السوشيال ميديا بدون استنزاف
بدل الغرق في المنصات لساعات:
-
متابعة حسابات محددة
-
تجميع محتواها تلقائيًا
-
استلام ملخص يومي منظم
مرة أخرى،
الحل كان في دمج الذكاء الاصطناعي مع الأتمتة.
المعرفة التي تكتسبها لا تذهب سُدى
من أجمل نتائج هذه الرحلة:
-
تعلم APIs
-
فهم Webhooks
-
التعامل مع HTTP Requests
-
التفكير المنهجي في بناء الأنظمة
وهي معرفة انتقالية تنفع في أي مجال.
من أين تبدأ؟
إذا شعرت أن الموضوع كبير:
-
ابدأ بأدوات بسيطة مثل IFTTT
-
نفّذ أتمتة صغيرة
-
ثم طوّرها تدريجيًا
الأهم هو البداية.
الخلاصة
الذكاء الاصطناعي لن يستبدل البشر.
لكن البشر الذين يعرفون كيف يستخدمونه بذكاء،
سيتقدمون بخطوات واضحة على غيرهم.
ابدأ بمشكلة حقيقية في حياتك.
قلّل المجهود المطلوب لحلها.
وابنِ نظامًا يخدمك في الخلفية.
ستتفاجأ بمدى التغيير.








